إسرائيل تنصب الكمائن... بالشائعات


لم يعد خافياً استخدام العدو للعالم الرقمي في جمع المعلومات وتحديد الأهداف. فقد أظهرت الحرب في غزة جانباً من هذا الاستخدام، كان محط انتقادات واسعة نتيجة هوامش الخطأ والاستهتار بحياة المدنيين عبر الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في تحديد الأهداف، كما ظهر ذلك في الحرب على لبنان. ومن بين هذه الوسائل التي وردت في أكثر من تقرير، وخصوصاً تقرير «هيومن رايتس واتش» الصادر في 10 أيلول (سبتمبر) 2024، يمكن التوقّف عند «ذا غوسبل» (The Gospel) التي تعدّ قائمة بالمباني المستهدفة، و«لافندر» Lavender التي تصنّف الأشخاص بناءً على انتماءاتهم وتحدّد الهدف العسكري من بينهم، وكلاهما يعملان بنظام الذكاء الاصطناعي ويتخذان القرارات مع شبه غياب للتدخل البشري مع هوامش خطأ واتهامات بالتحيز، فضلاً عن أداة Where is Daddy التي تزعم تحديد متى يكون الهدف موجوداً في مكان معين. هذه التطبيقات التي يثير تسريبها إلى العلن تساؤلات عدة، ليست إلا جزءاً من منظومة متكاملة لجمع البيانات وتحديد الأهداف عبر الذكاء الاصطناعي وتعتمد على مصادر متنوعة من بينها وسائل التواصل الاجتماعي وداتا الاتصالات. فكيف يجمع العدو البيانات؟ وما هو دور ترويج الشائعات والأخبار الكاذبة في ذلك؟
بخصوص البيانات، فكل ما يُقال عبر الهاتف وقربه يعدّ ضمن البيانات. كل حركة ترتبط بالهاتف تندرج ضمن البيانات، وقد تبيّن أخيراً أنّ ما لا يحدُث قرب الهاتف، قد يدخل ضمن نطاق البيانات، مثل فصل هاتف ذكي عن الانترنت لوقت طويل، أو جمع هواتف ذكية بشكل متزامن في مكان واحد وعزلها عن باقي المنزل. ولمن لا يزال يتساءل كيف للعدو أن يتمكن من تحليل كل هذه البيانات الهائلة في وقت قصير، فالأمر يتم عبر أدوات ذكاء اصطناعي وخوارزميات (برمجيات تبني استنتاجات) متطورة قادرة على تحليل بيانات هائلة في وقت ضيق وإعطاء استنتاجات بناءً على مدخلات تم تزويدها بها، كالتوقف عند كلمات مفتاحية معينة أو سلوكيات محددة وتصنيف الأهداف. وقد يعمد العدو إلى استفزاز الأفراد للإدلاء بمعلومات عبر بثّ معلومات كاذبة عن استهداف أماكن أو أفراد مُعينين عبر وسائل التواصل، ويرصد التفاعل والتعليقات حولها ويجمع المعلومات.
أداة Where is Daddy تزعم تحديد متى يكون الهدف موجوداً في مكان معين
كما أنه يمتلك إمكانية التواصل المباشر عبر جنود ناطقين بالعربية، وانتحال صفات أو إعطاء معلومات كاذبة، ما يدفع بالأقارب إلى محاولة التواصل مع قريبهم أو مع المعني في محاولة للاطمئنان عليه، فيتم بذلك مراقبة حركة الاتصالات التي تتكثف في حيّز زمني متصل بالشائعة ورصد أماكن هؤلاء المعنيين واستهدافهم، مع التغاضي عن الخسائر البشرية من المدنيين. في غزة، وصل تسامح آليات تحديد الأهداف مع استهداف المدنيين إلى إباحة قتل 100 مدني في حال صادف مرور أو وجود هدف من مستوى معين في نطاق تواجدهم، و300 مدني في حال كان الهدف المطلوب مشخّصاً على أنه بالغ الخطورة... أي إنّه يحقّ للعدو أن يرتكب مجزرة كبرى في نطاق جغرافي لمجرد أنّ «آلة» شخّصت وتوصلت إلى استنتاج مفاده أنّ فلاناً ربما مرّ بالقرب من هنا أو هناك... ثم يسمي مجزرته «استهدافاً» أو «عملية دقيقة». وبذلك يريد العدو أن يرسخ واقعاً مفاده أنّه يحق له استهداف عشرات المدنيين لمجرد أن الآلة شخّصت وجود هدف ما هنا. علماً أنه بذلك لا ينتهك القانون الدولي فقط، بل أيضاً أبسط حقوق الإنسان وأخلاقيات الحرب، فيستغل العواطف الإنسانية وخوف الناس على أحبائهم ليدفعهم إلى الاطمئنان عنهم، فينصب الكمائن لأهداف أكبر. هذا التمادي والطغيان هو بطبيعة الحال نتيجة غياب المحاسبة الفعلية من الجهات الدولية التي تقف في موقف المتفرّج حين يتعلّق الأمر بإسرائيل. وإذا لم يتم وضع حد لهذا التمادي، فسيبلغ استخدام التكنولوجيا الرقمية في الحروب مستوى بالغ الخطورة.
أما على مستوى مجتمع المقاومة، فيجب رفع درجات الصبر والوعي ومحاولة السيطرة على العواطف في هذه المرحلة حرصاً على الأحبة. ولا يجب أنّ ننسى أنّه من الحب ما قتل خصوصاً في زمن الذكاء الاصطناعي.
